القرطبي
29
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فقال : هكذا كلاب بلخ عندنا . فقلت : وما حد الزهد عندكم ؟ قال : إن فقدنا شكرنا ، وإن وجدنا آثرنا . وسئل ذو النون المصري : ما حد الزاهد المنشرح صدره ؟ قال ثلاث : تفريق المجموع ، وترك طلب المفقود ، والايثار عند القوت . وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي : أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية من قرى الري ، ومعهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم ، فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام ، فلما رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئا ، إيثارا لصاحبه على نفسه . العاشرة : قوله تعالى ( 1 ) : " ولو كان بهم خصاصة " الخصاصة : الحاجة التي تختل بها الحال . وأصلها من الاختصاص وهو انفراد بالامر . فالخصاصة الانفراد بالحاجة ، أي ولو كان بهم فاقة وحاجة . ومنه قول الشاعر : أما الربيع إذا تكون خصاصة * عاش السقيم به وأثرى المقتر الحادية عشرة - قوله تعالى : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) الشح والبخل سواء ، يقال : رجل شحيح بين الشح والشح والشحاحة . قال عمرو بن كلثوم : ترى اللحز الشحيح إذا أمرت * عليه لماله فيها مهينا ( 2 ) وجعل بعض أهل اللغة الشح أشد من البخل . وفي الصحاح : الشح البخل مع حرص ، تقول : شححت ( بالكسر ) تشح . وشححت أيضا تشح وتشح . ورجل شحيح ، وقوم شحاح وأشحة . والمراد بالآية : الشح بالزكاة وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضيافة ، وما شا كل ذلك . فليس بشحيح ولا بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك عن نفسه . ومن وسع على نفسه ولم ينفق فيما ذكرناه من الزكوات والطاعات فلم يوق شح نفسه . وروى الأسود عن ابن مسعود أن رجلا أتاه فقال له : إني أخاف أن أكون قد هلكت ؟ قال :
--> ( 1 ) جملة " قوله تعالى " ساقطة من س . ( 2 ) في شرح التبريزي : " اللحز : الضيق البخيل . وقيل : هو السئ الخلق اللئيم . وقوله : إذا أمرت عليه . أي أديرت ، والمعنى : أن الخمر إذا كثر دورانها عليه أهان ماله ، يقال : فلا مهين لماله ، إذا كان سخيا . وفلان معز لماله ، إذا كان بخيلا " .